آيات القرآن الكريم - إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

التحريم: 1

بداية السورة   «  »  آخر السورة  آية عشوائية  Bookmark

اسم السورة: 66 التحريم
رقم الآية.: 1
معلوماتعدد الآيات: 12 ترتيب المصحف: 66 ترتيب النزول: 107 نزلت بعد سورة: الحجرات مكية أم مدنية: مدنية
رقم الصفحة.560
عدد الآيات في السورة:12

تفسير القرطبي


سورة التحريم مدنية في قول الجميع، وهي اثنتا عشرة آية. وتسمى سورة النبي قوله تعالى:" يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك " ثبت في صحيح مسلم عن" عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يمكث عند زينب بن جحش فيشرب عندها عسلاً، قالت: فتواطأت أنا وحفصة أن أيتنا ما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح مغاير ! أكلت مغافير ؟ فدخل على إحداهما فقالت له ذلك. فقال: هل شربت عسلاً عند زينب جحش ولن أعود له " . فنزل: " لم تحرم ما أحل الله لك " - إلى قوله - " إن تتوبا" لعائشة وحفصة، " وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا " لقوله: بل شربت عسلاً. وعنها أيضاً قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب الحلواء والعسل، فكان إذا صلى العصر دار على نسائه فيدنو منهن، فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس،" فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل، فسقت رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شربةً. فقلت: أما والله لنحتالن له، فذكرت ذلك لسودة وقلت: إذا دخل عليك سيدنو منك فقولي له: يا رسول الله، أكلت مغافير ؟ فإنه سيقول لك لا فقولي له: ما هذه الريح ؟ - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح - فإنه سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل. فقولي له: جلست نحله العرفط. وسأقول ذلك له، وقوليه أنت يا صفية. فلما دخل على سودة - قالت: تقول سودة والله الذي لا إله إلا هو لقد كدت أن أبادئه بالذي قلت لي، وإنه لعلى الباب، فرقاً منك. فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله ، أكلت مغافير ؟ قال: لا قالت: فما هذه الريح ؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل قالت: جرست نحله العرفط. فلما دخل علي قلت له مثل ذلك. ثم دخل على صفية فقالت بمثل ذلك. فلما دخل على حفصة قالت: يا رسول الله، ألا أسيقك منه. قال ل حاجة لي به قالت: تقول سودة سبحان الله! والله لقد حرمناه. قالت: قلت لها اسكتي. ففي هذه الرواية أن التي شرب عندها العسل حفصة. وفي الأولى زينب. وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه شربه عند سودة. وقد قيل: إنما هي أم سلمة، رواه أسباط عن السدي. وقاله عطاء بن أبي مسلم. ابن العربي: وهذا كله جهل أو تصور بغير علم. فقال باقي نسائه حسداً وغيرةً لمن شرب ذلك عندها: إنا لنجد منك ريح المغافير. والمغافير: بقلة أو صمغة متغيرة الرائحة، فيها حلاوة، واحدها مغفور، وجرست: أكلت. والعرفط: نبت له ريح كريح الخمر. وكان عليه السلام يعجبه أن يوجد منه الريح الطيبة أو يجدها، ويكره الريح الخبيثة لمناجاة الملك. فهذا قول. وقول آخر - أنه أراد بذلك المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها لأجل أزواجه، قال ابن عباس وعكرمة. والمرأة أم شريك. وقول ثالث - إن التي حرم مارية القبطية، وكان قد أهداها له المقوقس ملك الاسكندرية. قال ابن إسحاق: هي من كورة أنصنا من بلد يقال له حفن فواقعها في بيت حفصة. وروى الدارقطني عن ابن عباس عن عمر قال: " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم ولده مارية في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها - وكانت حفصة غابت إلى بيت أبيها - فقالت له: تدخلها بيتي ! ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هواني عليك. فقال لها: لا تذكري هذا لعائشة فهي على حرام إن قربتها قالت حفصة: وكيف تحرم عليك وهي جاريتك؟ فحلف لها ألا يقربها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تذكريه لأحد. فذكرته لعائشة فآلى لا يدخل على نسائه شهراً، فاعتزلهن تسعا وعشرين ليلة، فأنزل الله عزوجل " تحرم ما أحل الله لك تبتغي " الآية. الثانية-: أصح هذه الأقوال أولها. وأضعفها وأوسطها. قال ابن العربي: أما ضعفه في السند فلعدم عدالة رواته، وأما ضعفه في معناه فلأن رد النبي صلى الله عليه وسلم للموهبة ليس تحريماً لها، لأن من رد من وهب له لم يحرم عليه، إنما حقيقة التحريم بعد التحليل. وأما من روى أنه حرم مارية القبطية فهو أمثل في السند وأقرب إلى المعنى، لكنه لم يدون في الصحيح . وروي مرسلاً. وقد روى ابن وهب عن مالك عن زيد بن أسلم قال:" حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أم إبراهيم فقال: أنت علي حرام والله لا آتينك ". فأنزل الله عز وجل في ذلك: " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك " وروى مثله ابن القاسم عنه. وروى أشهب عن مالك قال: راجعت عمر امرأة من الأنصار في شئ فاقشعر من ذلك وقال: ما كان النساء هكذا ! قالت: بلى، وقد كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يراجعنه. فأخذ ثوبه فخرج إلى حفصة فقال لها: أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت: نعم، ولو أعلم أنك تكره ما فعلت. فلما بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هجر نساءه قال: رغم أنف حفصة. وإنما الصحيح أنه كان في العسل وأنه شربه عند زينب، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه، فجرى ما جرى فحلف ألا يشربه وأسر ذلك. ونزلت الآية في الجميع. الثالثة-: قوله تعالى: "لم تحرم" إن كان النبي صلى الله عليه وسلم حرم ولم يخلف فليس ذلك بيمين عندنا. ولا يحرم قول الرجل: هذا علي حرام شيئاً حاشا الزوجة. وقال أبو حنيفة: إذا أطلق حمل على المأكول والمشروب دون الملبوس، وكانت يمنياً توجب الكفارة. وقال زفر: هو يمين في الكل حتى في الحركة والكون. وعول المخالف على أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم العسل فلزمته الكفارة. وقد قال الله تعالى: " قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم " فسماه يميناً. ودليلنا قول الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا " المائدة:87، وقوله تعالى: " قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون " يونس: 59 . فذم الله المحرم لحلال ولم يوجب عليه كفارة. قال الزجاج: ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله ولم يجعل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يحرم إلا ما حرم الله عليه. فمن قال لزوجته أو أمته: أنت علي حرام، ولم ينو طلاقاً ولا ظهاراً فهذا اللفظ يوجب كفارة اليمين. ولو خاطب بهذا اللفظ جمعاً من الزوجات والإماء فعليه كفارة واحدة. ولو حرم على نفسه طعاماً أو شيئاً آخر لم يلزمه بذلك كفارة عند الشافعي ومالك. وتجب بذلك كفارة عند أبي مسعود والثوري وأبي حنيفة. الرابعة-: واختلف العلماء في الرجل يقول لزوجته: أنت علي حرام على ثمانية عشر قولا: أحدهما-: لا شيء عليه. وبه قال الشعبي ومسروق وربيعة وأبوسلمة وأصبغ. وهو عندهم كتحريم الماء والطعام، قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " المائدة:87 والزوجية من الطيبات ومما أحل الله. وقال تعالى: " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام " النحل:116. وما لم يحرمه الله فليس لأحد أن يحرمه، ولا أن يصير بتحريمه حراماً. ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لما أحله الله هو علي حرام. وإنما امتنع من مارية ليمين تقدمت منه وهو قوله : والله لا أقربها بعد اليوم فقيل له: لم تحرم ما أحل الله لك، أي لم تمتنع منه بسبب اليمين. يعني أقدم عليه وكفر. وثانيها-: أنها يمين يكفرها، قاله أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وابن عباس وعائشة - رضي الله عنهم - والأوزاعي، وهو مقتضى الآية. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: إذا حرم الرجل عليه امرأته فإنما هي يمين يكفرها. وقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسوله الله أسوة حسنة، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حرم جاريته فقال الله تعالى: " لم تحرم ما أحل الله لك" - إلى قوله - " قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم " فكفر عن يمينه وصير الحرام يميناً. خرجه الدارقطني. وثالثها-: إنها تجب فيها كفارة وليست بيمين، قاله ابن مسعود وابن عباس أيضاً في إحدى روايتيه، والشافعي في أحد قوليه، وفي هذا القول نظر. والآية ترده على ما يأتي. ورابعها-: هي ظهار، ففيها كفارة الظهار، قال عثمان وأحمد بن حنبل وإسحاق. وخامسها: أنه إن نوى الظهار وهو ينوي أنها محرمة كتحريم ظهر أمه كان ظهاراً. وإن نوى تحريم عينها عليه بغير طلاق تحريماً مطلقاً وجبت كفارة يمين. وإن لم ينو شيئاً فعليه كفارة يمين، قاله الشافعي. وسادسها-: أنها طلقة رجعية، قاله عمر بن الخطاب والزهري وعبد العزيز بن أبي سلمة وابن الماجشون. وسابعها-: أنها طلقة بائنة، قاله حماد بن أبي سليمان وزيد بن ثابت. ورواه ابن خويز مندادعن مالك. وثامنها-: أنها ثلاث تطليقات، قاله علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت أيضاً وأبو هريرة. وتاسعها-: هي في المدخول بها ثلاث، وينوي في غير المدخول بها، قاله الحسن وعلي بن زيدوالحكم وهو مشهور مذهب مالك. وعاشرها-: هي ثلاث، ولا ينوي بحال ولا في محل وإن لم يدخل، قاله عبد الملك في المبسوط، وبه قال ابن أبي ليلى. وحادي عشرها-: هي في التي لم يدخل بها واحدة، وفي التي دخل بها ثلاث، قاله أبو مصعب ومحمد بن عبد الحكم. وثاني عشرها-: أنه إن نوى الطلاق أو الظهار كان ما نوى. فإن نوى الطلاق فواحدة بائنة إلا أن ينوي ثلاثاً. فإن نوى ثنتين فواحدة. فإن لم ينو شيئاً كان يميناً وكان الرجل مولياً من امرأته، قاله أبو حنيفة وأصحابه. وبمثله قال زفر، إلا أنه قال إذا نوى اثنتين ألزمناه. وثالث عشرها-: أنه لا تنفعه نية الظهار وإنما يكون طلاقاً، قال ابن القاسم. ورابع عشرها-: قال يحيى بن عمر: يكون طلاقاً، فإن ارتجعها لم يجز له وطؤها حتى يكفر كفارة الظهار. وخامس عشرها-: إن نوى الطلاق فما أراد من أعداده. وإن نوى واحدة فهي رجعية.وهو قول الشافعي رضي الله عنه. وروي مثله عن أبي بكر وعمر وغيرهم من الصحابة والتابعين. وسادس عشرها-: إن نوى ثلاثاً فثلاثاً، وإن واحدة فواحدةً. وإن نوى يميناً فهي يمين. وإن لم ينو شيئاً فلا شي عليه. وهو قول سفيان. وبمثله قال الأوزاعي وأبو ثور، إلا أنهما قالا: إن لم ينو شيئاً فهي واحدة. وسابع عشرها-: له نيته ولا يكون أقل من واحدة، قاله أبو شهاب. وإن لم ينو شيئاً لم يكن شئ، قاله ابن العربي. ورأيت لسعيد بن جبير وهو: الثامن عشر-: أن عليه عتق رقبة وإن لم يجعلها ظهاراً. ولست أعلم لها وجهاً ولا يبعد في المقالات عندي. قلت: قد ذكره الدارقطني في سننه عن ابن عباس فقال: حدثنا الحسين بن إسماعيل قال حدثنا محمد بن منصور قال حدثنا روح قال حدثنا سفيان الثوري عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي علي حراماً. فقال: كذبت ! ليس عليك بحرام، ثم تلا " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك " عليك أغلظ الكفارات: عتق رقبة. وقد قال جماعة من أهل التفسير: إنه لما نزلت هذه الآية كفر عن يمنيه بعتق رقبة، وعاد صلى الله عليه وسلم إلى مارية، قال زيد بن أسلم وغيره. الخامسة-: قال علماؤنا: سبب الاختلاف في هذا الباب أنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم نص ولا ظاهر صحيح يعتمد عليه في هذه المسألة، فتجاذبها العلماء لذلك. فمن تمسك بالبراءة الأصلية فقال: لا حكم، فلا يلزم بها شئ. وأما من قال إنها يمين، فقال: سماها الله يميناً. وأما من قال: تجب فيها كفارة وليس بيمين فبناه على أحد أمرين: أحدهما - أنه ظن أن الله تعالى أوجب الكفار فيها وإن لم تكن يميناً. والثاني - أن معنى اليمين عنده التحريم، فوقعت الكفارة على المعنى. وأما من قال: إنها طلقة رجعية، فإنه يحمل اللفظ على أقل وجوهه، والرجعية محرمة الوطء كذلك، فيحمل اللفظ عليه. وهذا يلزم مالكاً، لقوله: إن الرجعية محرمة الوطء. وكذلك وجه من قال :إنها ثلاث، فحمله على أكبر معناه وهو الطلاق الثلاث. وأما من قال: إنه ظهار، فلأنه أقل درجات التحريم، فإنه تحريم لا يرفع درجات النكاح. وأما من قال: إنه طلقة بائنة، فعول على أن الطلاق الرجعي لا يحرم المطلقة، وأن الطلاق البائن يحرمها. وأما قول يحيى بن عمر فإنه احتاط بأن جعله طلاقاً، فلما ارتجعها احتاط بأن يلزمه الكفارة ابن العربي: وهذا لا يصح، لأنه جمع بين المضادين، فإنه لا يجمع ظهار وطلاق في معنى لفظ واحد، فلا وجه للاحيتاط فيما لا يصح اجتماعه في الدليل. وأما من قال: ينوي في التي لم يدخل بها، فلأن الواحدة تبينها وتحرمها شراعاً إجماعاً. وكذلك قال: من لم يحكم باعتبار نيته: إن الواحدة تكفي قبل الدخول في التحريم بالإجماع، فيكفي أخذاً بالأقل المتفق عليه. وأما من قال:إنه ثلاث فيهما، فلأنه أخذ بالحكم الأعظم، لو صرح بالثلاث لنفذت في التي لم يدخل بها نفوذها في التي دخل بها. ومن الواجب يكون المعنى مثله وهو التحريم. والله أعلم. وهذا كله في الزوجة. وأما في الأمة فلا يلزم فيها شئ من ذلك، إلا أن ينوي به العتق عند مالك. وذهب عامة العلماء إلى أن عليه كفارة يمين. ابن العربي: والصحيح أنها طلقة واحدة، لأنه لو ذكر الطلاق لكان أقله وهو الواحدة إلا أن يعدد. وكذلك إذا التحريم يكون أقله إلا أن يقيد بالأكثر، مثل أن يقول: أنت علي حرام إلا بعد زواج، فهذا نص على المراد. قلت: أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في حفصة لما خلا النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها بجاريته، ذكره الثعلبي. وعلى هذا فكأنه قال: لا يحرم عليك ما حرمته على نفسك ولكن عليك كفارة يمين، وإن كان في تحريم العسل والجارية أيضاً. فكأنه قال: لم يحرم عليك ما حرمته، ولكن ضممت إلى التحريم يميناً فكفر عن اليمين. وهذا صحيح ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حرم ثم حلف، كما ذكره الدارقطني. وذكر البخاري معناه في قصة العسل عن عبيد بن عمير عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عند زينب بنت جحش عسلاً ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل: أكلت مغافير ؟ إني لأجد منك ريح مغافير ! قال: لا ولكن شربت عسلاً ولن أعود له وقد حلفت لا تخبرني بذلك أحداً . يبتغي مرضاة أزواجه، فيعني بقوله: ولن أعود له على جهة التحريم. وبقوله: حلفت أي بالله، بدليل أن الله تعالى أنزل عليه عند ذلك معاتبته على ذلك، وحوالته على كفارة اليمين بقوله تعالى: " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك " يعني العسل المحرم بقوله: لن أعود له. " تبتغي مرضاة أزواجك " أي تفعل ذلك طلباً لرضاهن. " والله غفور رحيم " غفور لما أوجب المعاتبة، رحيم يرفع المؤاخذة. وقد قيل: إن ذلك كان ذنباً من الصغائر. والصحيح أنه معاتبة على ترك الأولى،وأنه لم تكن له صغيرة ولا كبيرة.

تفسير الجلالين


سورة التحريم 1 - (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) من أمتك مارية القبطية لما واقعها في بيت حفصة وكانت غائبة فجاءت وشق عليها كون ذلك في بيتها وعلى فراشها حيث قلت هي حرام علي (تبتغي) بتحريمها (مرضات أزواجك) أي رضاهن (والله غفور رحيم) غفر لك هذا التحريم

أسباب النزول


أخرج الحاكم والنسائي بسند صحيح عن انس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها فلم تزل به حفصة حتى جعلها على نفسه حراما فأنزل الله يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك الآية

تفسير ابن كثير


اختلف في سبب نزول صدر هذه السورة فقيل نزلت في شأن مارية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرمها فنزل قوله تعالى "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك" الآية قال أبو عبدالرحمن النسائي أخبرنا إبراهيم بن يونس بن محمد حدثنا أبي حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها فأنزل الله عز وجل "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" إلى آخر الآية. وقال ابن جرير حدثني ابن عبدالرحيم البرقي حدثنا ابن أبي مريم ثنا أبو غسان حدثني زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصاب أم إبراهيم في بيت بعض نسائه فقالت أي رسول الله في بيتي وعلى فراشي؟ فجعلها عليه حراما قالت أي رسول الله كيف يحرم عليك الحلال؟ فحلف لها بالله لا يصيبها فأنزل الله تعالى "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" قال زيد بن أسلم فقوله أنت علي حرام لغو وهكذا روى عبدالرحمن بن زيد عن أبيه وقال ابن جرير أيضا حدثنا يونس ثنا ابن وهب عن مالك عن زيد بن أسلم قال: قال لها "أنت علي حرام والله لا أطؤك" وقال سفيان الثوري بن علية عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق قال آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرم فعوتب في التحريم وأمر بالكفارة فى اليمين رواه ابن جرير وكذا روي عن قتادة وغيره عن الشعبي نفسه وكذا قال غير واحد من السلف منهم الضحاك والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان وروى العوفي عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب من المرأتان؟ قال عائشة وحفصة وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم مارية أصابها النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة في نوبتها فوجدت حفصة فقالت يا نبي الله لقد جئت إلي شيئا ما جئت إلى أحد من أزواجك في يومي وفي دوري وعلى فراشي قال "ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها" قالت بلى فحرمها وقال لها "لا تذكري ذلك لأحد" فذكرته لعائشة فأظهره الله عليه فأنزل الله تعالى "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك" الآيات كلها فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر عن يمينه وأصاب جاريته وقال الهيثم بن كليب في مسنده ثنا أبو قلابة عبدالملك بن محمد الرقاشي ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا جرير بن حازم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة "لا تخبري أحدا وإن أم إبراهيم علي حرام" فقالت أتحرم ما أحل الله لك؟ قال "فوالله لا أقربها" قال فلم يقربها حتى أخبرت عائشة.